رمضان على مر الزمان

وعاد رمضان
وككل عام تبدأ الإعلانات التي تصور لنا العالم العربي كمدينة فاضلة. الغني يتصدق للفقير والكبير يعطف على الصغير والقوي يساعد الضعيف والأم تعد طعام الإفطار لجميع العائلة التي يصدف أنهم جميعاً يحبون بعضهم ويلتفون حول المائدة العامرة بما لذ وطاب من مختلف أصناف الطعام ولا ننسى الفيمتو طبعاً والسعادة تغمر وجوههم المضيئة من نور هذا الشهر الفضيل الذي يقضونه في الحب وفعل الخير وقراءة القرآن والصلاة .

هل مللنا تلك المسرحية الهزلية أم ليس بعد؟ أين تقع تلك اليوتوبيا التي يصر الإعلام على تصويرها لنا كل عام وحتى اليوم لا أجد لها أي أثر على أرض الواقع؟

رمضان شهر شاق متعب يأتي في أكثر فصول السنة حراً وأطولها نهاراً وفي أكثر المراحل تخبطاً على الأمة العربية.

عندما أحاول عبثاً لململة ماعلق في ذاكرتي من رمضانات أخيرة. أستحضر آخر ثلاث سنوات عشت فيها رمضان.

رمضان 2012 – دمشق – سورية – آسيا

تدور أحداث هذا الرمضان حول معركة دمشق الكبرى. كانت الحرب قد بلغت أشدها في داخل دمشق، أذكر أننا كنا نفطر على صوت مدافع الحرب والطائرات الحربية تحوم حول المأذنة التي ينطلق منها آذان المغرب. بعد دقائق كانت تنقطع الكهرباء ، إذا لم تكن قد انقطعت أثناء قيامنا بتحضير الإفطار. أذكر دعوات جدتي الغاضبة التي كانت تصبها عليهم وهي تبل ريقها بالقليل من المياه: “الله لا يوفقكن الناس بدها تفطر .. “

كانت الناس تفطر وتتمتم أدعيتها المعتادة لأن دعوة الصائم مستجابة. فكان الناس يستغلون ذلك بالدعاء على بشار ومن يقف معه. وكنت أتخيل لو أن كل تلك الدعوات التي تخرج من حناجر الآلاف بنفس الوقت اجتمعت وارتفعت بنفس الوقت إلى السماء، كيف لها بأن لا تستجاب؟

كنت أذهب كل يوم إلى عملي دون أدنى فكرة عن إمكانية عودتي بعد انتهائه.  كلما مررت بحاجز يقف عليه عناصر النظام متباهيين بشربهم الماء أمام الصائمين وتدخينهم أشيح بوجهي وأكتم غيظي، كيف لم تُصَفد هذه الشياطين حتى الآن؟

صلاة التراويح أضحت رفاهية في ذلك العام، معظم الناس باتوا يخافون الذهاب إلى الجوامع التي عجت بالمظاهر الأمنية خوفاً من انطلاق أي مظاهرة للمعارضة. عندما أسمح لخيالي بتذكر المظاهرات أشعر بقبضة تعتصر قلبي. لقد تغير كل شيء الآن ، لم يعد هناك صوت يصرخ : الشعب يريد إسقاط النظام. أخرسوا كل الأصوات. قطعوا كل الحناجر. دفنوا كل الأرواح التي طالبت بحرية فنالتها في مكان آخر. هذه الأرض لا تنبت فيها زهرة الحرية.

أذكر كيف اختنقت دمشق . كيف اختفى الخبز من المحلات ، كيف هرعنا بعد ليلة عصيبة من القصف المكثف لنبحث في الصباح عن بعض المؤون في السوق فلم نجد سوى كيسٍ من الكعك على رفوف أحد المحلات ونظرة الذعر المنتشرة في وجوه الناس التي بدأت تسترجع كل ماتعلمته من أجدادها عن كيفية البقاء أثناء حروب سوريا القديمة. كنت أسير في الطرقات وأجد حاويات القمامة تعج بما تحويه وقد تركت عن قصد دون تفريغ كنوع من عقاب من البلدية لسكان الحي.

وبعد كل هذا كانت خطبتي . خطبتي التي رسمت لها ألف صورة وألف فرحة. جاءت على عجل وعلى خوف. كم حلمت بذلك الخاتم الذي سأرتديه حين أرتبط بك. أذكر كيف اختفت كل الخواتم التي كانت تزين واجهات محلات الذهب في دمشق. كل الباعة كانوا خائفين من شغب مفاجئ فكانوا يخفون بضاعتهم ومنهم من أغلق محله بشكل مؤقت ريثما تهدأ الأوضاع من جديد. لم يكن هذا الوقت المناسب للفرح. لم يكن أحد في مزاج مناسب للفرح لكن لم يكن هناك وقت للتأجيل أكثر. الأوضاع تتأزم يوماً بعد يوم ولا أحد يعلم إذا كانت ستنتهي أم لا. وكان لا بد من سفر عائلتي ، وكان لا بد أن أتحمل نتيجة قراري العنيد بالبقاء في ذاك البلد، دمشق. عشقي الذي دفعت ثمنه الكثير.

أذكر تماماً ذلك السحور الأخير الذي اجتمعت فيه مع عائلتي. لم نكن نتحدث كثيراً على السحور لا أعلم تحديداً السبب وراء ذلك. كان مزيجاً من النعاس والإرهاق ، الخوف والحزن من حالة الحرب. لكنا كنا نحاول اختلاق الأحاديث. لا أذكر لماذا قالت أمي يومها: “الله أعلم رمضان الجاية وين بيكون كل واحد فينا” لكني آمنت يومها بحدس الأم.

رمضان 2013 – القاهرة – مصر – أفريقيا

ما هي كمية الأحداث التي تتسع في عام؟

تزوجت ، رحلت عن دمشق ، انتقلت للعيش في القاهرة ، استشهد والد زوجي في الحرب ، انتقلت عائلته للعيش معنا ، انقلاب الحكم في مصر ، فرض حظر التجول ، منع السوريين من دخول مصر أو تجديد إقاماتهم

كنت أظن برحيلي عن دمشق أني أترك ورائي كل تلك الذكريات القاسية وأفتح صفحة جديدة أكتب فيها ما أشاء.

كنت واهمة.

كنا نجتمع على مائدة الإفطار بصمت ونترك للتلفاز مهمة التحدث وإضافة الصوت على الغرفة. كل منا غارق في أفكاره وهمومه. لم يكن أحد منا قادر على مواساة الآخر فكل يعيش جرحه ويحاول لملمة ما تبقى من أحلامه المحطمة.

ولأني أصبت بالتهاب معوي كان علي أن أتناول دواء لا يمكنني الأكل بعده مباشرة فكان علي أن أنتظر وحدي قبل أن يسمح لي بتناول الطعام.

كان رمضاناً أسوداً، كنا نلهي أنفسنا بمشاهدة أي مسلسل سطحي يعرض على التلفاز أو بالعمل على مشروع برمجي أنا وزوجي. كنا نذهب إلى صلاة التراويح لنحاول البحث عن السلام الداخلي في أرواحنا لكن الضجيج في عالمنا الخارجي كان أكبر منا.

كنا في حالة استسلام أكثر من أن تكون سلاماً. لم أشعر بهذا الثقل في روحي كما شعرت وقتها. كنا نحاول جاهداً الوقوف في وجه كل شيء وتقبل القدر برحابة صدر لكن الحياة كانت تزيد الثقل في كل مرة أكثر.

وحين يعلو صوت الشيخ في الجامع في تلاوة آية ” ربنا ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به” كانت دموعي تغرق وجهي رغم محاولاتي العابثة في إيقافها.

وحُمّلنا مالا طاقة لنا به. لم تقتلنا تلك الضربة كما لم تزدنا قوة. زادتنا ضعفاً . قتلت بداخلنا الإحساس والقدرة على الحياة أو الاستمتاع بتفاصيلها.

لقد جمعت مصر في ذلك العام تعاسة المصريين والسوريين معاً فكانت أكثر البلاد هماً. يمكنك أن تمشي في الطرقات وتنظر في وجوه العابرين الباحثين عن لقمة عيشهم كل يوم وترى الهم والشقاء في أعينهم.

الربيع العربي أزهر موتى أشباحهم ظلت تطاردنا في نومنا .

لا أعلم من كان أكثر بؤساً الشعب المصري أم السوري لكني أعلم انه الشعب الوحيد الذي رضي أن يقسم رغيفه المتهالك معنا وأن لعبة السياسة هي التي أغلقت الأبواب في وجه السوريين وطردتهم من أرضها .

كان البقاء مستحيلاً والرحيل مستحيلاً.

وككل رمضان، كنا نصوم ونفطر على أمل أن تحمل دعوة الصائم أمنياتنا إلى السماء السابعة حيث أخبرنا الجميع أنها هناك وهناك فقط ، تُستجاب..

رمضان 2014 – غالواي- إيرلندا – أوروبا

كان قد مضى على وصولي إلى هنا ستة أشهر قضيت ثلاثة منها بدون زوجي . حين وصلت إلى هنا وبعد استيقاظي من الصدمة الحضارية شعرت أني عبرت بوابة الزمن. رغم ظني أني على ثقافة عالية واطلاع كبير نسبياً ضمن مجتمعي اكتشفت حجم جهلي بهذا العالم. كل شيء هنا مختلف . كل شيء يدار بطريقة مختلفة . هذا العالم الذي تفنن الكثير في وصفه تارة بالانحدار وتارة بالانفتاح وجدت نفسي أمامه مسحورة بانتظامه وتطوره واحترامه لأدق الأشياء. بدأت أقرأ وأسأل وأبحث وأقارن. ربما كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على التاريخ العربي والدين الإسلامي أكثر. كان لابد أن أجيب على الكثير من الأسئلة التي طرحتها أنا قبل غيري على نفسي. وكانت الإجابات مخيفة جداً. التشابك المعقد في بيئتنا بين المجتمع والدين والسياسة والتاريخ كان يحمل في طياته قصصاً يطول شرحها.

في ذلك الرمضان كان علي أن أعيش تجربة المسلم خارج العالم العربي . مجرداً من كل عاداته وتقاليده واجتماعياته وبرامجه التلفازية وجامعه القريب ومأكولاته المفضلة وعائلته المجتمعة على المائدة وسكبة جيرانه وصدقته على عابر سبيل ودوامه القصير الذي يراعي صيامه وكل تفاصيل الحياة التي تتغير لتناسب يومياته الرمضانية.

كل ذلك لم يكن هنا. كان علي أن أذهب إلى العمل كأي يوم آخر وأشاهد الجميع يتناول طعامه وشرابه دوني وأبقى في الداوم حتى انتهاء ساعته الأخيرة وأعود إلى البيت أنا وزوجي وصداعنا لنجلس بانتظار المغرب المتأخر عند العاشرة والنصف مساءً . أربع ساعات حاولنا أن نفعل فيها كل شيء يمكن أن يفعل من محاولة فاشلة للنوم أو مشاهدة برامج لا تحتاج أي تركيز أو قرآن أو تحضير لطعام حتى تغرب شمس اليوم ونحن نتثاءب من النعاس فنتناول بضع لقيمات ونشرب الماء ونخلد بعدها إلى النوم !  لم نكن نتمكن من أداء التراويح لأن الصلاة كانت تبدأ في وقت متأخر جداً بالنسبة لنا وفي مكان بعيد عن منزلنا وبدون توفر وسيلة مواصلات جيدة.

حاولنا جاهدين أن نعيد خلق كل العادات الروحانية المرتبطة في أذهاننا مع رمضان. حاولنا تغير مواعيد نومنا واستيقاظنا . اشترينا الكثير من المواد الغذائية قبل حلول الشهر. وضعنا فانوساً وعلقنا زينة على الحائط. استمعنا إلى أذان الجامع الأموي وموشحاته الدينية، قمنا بتحميل بعض المسلسلات العربية السطحية التي تتحدث عن لاشيء ، حضّرنا شراب قمر الدين والعرق سوس ، اشترينا بلحاً لنفطر عليه، تعلمت صنع الحلويات الشرقية بجميع أنواعها.

لكن لم يحدث شيء

اكتشفت حجم الخدعة التي عشتها في كل رمضان مر في حياتي. كل ما كنا نفعله لم يكن يتعدى الطقوس وما أن ينتهي الشهر حتى يعود كل منا لحياته الطبيعية بدون القرآن وبدون شراب قمر الدين الذي كنت أعتقد أنه من شروط الصيام وبدوام طبيعي ونوم طبيعي.

لا أحد يكترث كثيراً بالمسلمين الذي يعيشون خارج العالم العربي الذي يغير كل تفاصيله من أجل صيامهم الشكلي. ومع ذلك تجدهم لا يكفون عن التنظير على غيرهم ممن يعيشون رمضان بوجهه الحقيقي.، حيث يكون هو علاقتك الخاصة بينك وبين ربك، لا يمكنك أن تتحجج في عملك بصيامك ولا يمكنك أن تربط أيام رمضان بحلقات مسلسلك المفضل التي تنسيك ثقل هذا الشهر. لا أحد يكترث حقاً بكم ختمة أنهيت ولا كم ركعة صليت . والمحلات لن تفتح أو تغلق أبوابها بناء على مواقيت صيامك . رمضان هنا أكثر خصوصية وأقل ضجيجاً مما اعتدناه.

مع حلول رمضان هذا العام تعلمت درسي جيداً. لم تعد تلك الطقوس تغريني ولم أعد بحاجة لها. لن أحاول تغيير نمط حياتي ولا مواعيد نومي ولا نوعية الطعام الذي سأعده. سأكمل حياتي العملية التي أعيشها وأستمر في رحلة بحثي في الأديان والتاريخ بدل أن أضيع وقتي بقشور رمضانية أو قراءة فتاوي تتعلق حكم استخدام قطرة الأذن وحكم تقبيل الزوجة في رمضان ومتى يكون وقت الإفطار للساكنين في أعالي برج خليفة.

أما بالنسبة لدعوة الصائم التي لم تستجب حتى الآن ومازالت الحرب قائمة في سوريا فأنا لم أجد سوى تفسيرين: إما أن دعوة الصائم مستجابة هي خرافة أزلية وأسطورة رددناها حتى صدقناها أو أن الصائمين المؤيدين للنظام السوري كانوا يعادلون بأدعيتهم دعاء المعارضين فالنتيجة فيزيائياً حسب قانون محصلة القوى أن القوتين تلغيان بعضهما فلا يحدث أي شيء على الجسم التي تطبق عليه القوة، سورية.

وكل عام وأنتم بخير

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: