باب شرقي

الثورة السورية

اليوم 762

مصر

قادتني طرقات القاهرة إلى عرض أول لفيلم “باب شرقي” أول فيلم روائي طويل عن الثورة السورية في دار الأوبرا المصرية. عبرت بوابة الدار انبهاراً بالمكان دون أن أستطيع منع نفسي من مقارنته بدار الأوبرا السورية. هذا مايحدث غالباً مع السوري المغترب أو ربما فقط المُهَجَّر قسراً، يقارن كل شيء بقرينه في بلده : الهواء ، الماء ، الأرض ، الخبز ، الفلافل وحتى البعوض !

رمقت تمثال أم كلثوم الصامد تحت شجرة مسنة ثم مررت بتمثال الراحل عبد الوهاب الذي الذي استطاع تجسيد نرجسيته المعهودة. التقطت بضع صور بعدستي وبضع صور خبأتها في ذاكرتي وأكملت طريقي إلى مركز الإبداع الفني حيث يعرض الفيلم.

هناك شيء غريب لا أستطيع تفسيره يقوم به المغترب فور وصوله إلى أي مكان، تتحول عيناه إلى جهاز مسح ضوئي للحضور ليميز فوراً أهل بلده وسط العشرات. ومع أنه غالباً لا يتحدث إليهم ولا يلقي التحية لكنه لسبب ما يقوم بذلك ، ربما ليجد وجهاً مألوفاً يخفف عنه وحشته. بحثت في الوجوه، ووجدت نسبة عالية من الحضور السوري . دلفت إلى المكان وصعدت إلى الطابق المخصص وانضممت إلى الجميع منتظرة فتح أبواب صالة العرض. كان هناك عدستين ومذيعتين من قنوات مصرية تقوم بتغطية الحدث وتطلب من الحضور إجراء مقابلات. كان البعض يخشى التحدث أو الوقوف أمام العدسات والبعض الآخر كان يتحدث وبثقة عن الثورة السورية مرتدياً ما استطاع من رموز تظهر انتماءه كشال أو اسوارة عليها علم الثورة.

دخلنا جميعاً إلى الصالة وتوزعنا في المقاعد. فوجئت بعائلة قادمة مع أطفالها الذين أخذوا يبعثرون الضجيج في كل مكان بحثاً عن مقعد يعجبهم. ما الذي أحضرهم إلى هنا! لماذا يتحول دائماً أي نشاط مجاني إلى فرصة للنزهة بالنسبة لنا! حاولت تجاهل امتعاضي وأنا أنتظر بدء العرض. جلس رجلان على منصة أمام الحضور وبدأ أحدهم بالتعريف عن نفسه والذي اتضح لاحقاً أنه المخرج المصري (أحمد عاطف) صاحب الفيلم و بجانبه الكاتب (فرحان مطر). تحدث المخرج عن الثورة السورية وكيف أنها لم تلق اهتماماً ولم يصدر لها أي فيلم حتى الآن، أوضح أن الفيلم تم على نفقته الخاصة وأنه استعان بأشخاص لا يملكون موهبة التمثيل واستثنى الممثلة السورية (لويز عبد الكريم) و(الأخوين ملص) الذين اشتهرا بتمثيلهما المسرحي في سوريا. تحدث بعده الكاتب فرحان مطر و الذي يشارك في التمثيل لأول مرة. تحدث نيابة عن الممثلين واعتذر عن غياب الأخوين ملص بحجة أنهما مسافرين إلى فرنسا تمهيداً لعرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي.

بعد الخطاب بدأ العرض، تدور أحداث الفيلم في مصر حيث يصوّر المشهد الأول أفراداً منهكون يعبرون الصحراء من الواضح هرباً من سوريا ويبدو التعب الشديد واضحاً عليهم، ترافقهم (لويز عبد الكريم) حيث تجسد شخصية طبيبة تفتتح عيادة في مصر لمتابعة شؤون اللاجئين السوريين الطبية ويساعدها في بعض الأحيان (أحمد ملص – بلال) الذي يعمل في المركز الإعلامي المتخصص بنشر جرائم النظام السوري وجيشه ضد المدنيين على أرض سوريا. تلخص الفيلم في الصراع بين بلال وأخيه (محمد ملص – هلال) المؤيد للنظام والشبيح الذي لا يتوانى في تعذيب حتى أخيه دفاعاً عن قائده المُفدى. ويظهر الكاتب (فرحان مطر) ليجسد دور والدهما الذي يعمل في قصر الرئاسة ويؤمن أن الرئيس هو ولي نعمته وصاحب الفضل في كل مايملك ويحلم دائماً في مقابلته ليعبر له عن حبه وامتنانه وإعجابه الشديد به.

توالت المشاهد تباعاً لتمر بمعاناة السوريين اللاجئين في مصر ومن فقد عدداً من أهله وأصحابه ، وتُبرز أسماء بعض الشخصيات التي كان لها دور في الثورة مثل الرسام علي فرزات ، وصوت الثورة الشهيد إبراهيم القاشوش. ثم أظهرت بعض اللقطات مشاهداً حقيقة لانتهاكات صارخة بحق الأسرى والمدنيين من تعذيب وقتل وحرق. مشاهد قاسية كنت أهرب من مشاهدتها عبر الانترنت وجدت نفسي مرغمة على مشاهدة أبشعها في صالة العرض. انسكبت دموعي وشعور بالقهر يتصعد داخلي، ثم تذكرت لوهلة أن الصالة تعج بالأطفال فالتفت حولي لأراهم غارقين في مقاعدهم. لم يكن العرض يناسبهم. لم يكن يناسب أي أحد.

أردت لهذا الفيلم أن ينتهي ، وبسرعة. لم أعد أستطيع تحمل ضعف الحوار ولا سوء التمثيل حتى من الشخصيات الأساسية. طوال الوقت كنت أفكر بفكرة واحدة: كيف خرج هذا الفيلم إلى الضوء بهذا المستوى وفيه خبرة الكاتب والممثل والمخرج الذين لم يستطع أي منهم رؤية هذا الضعف؟ وكيف سيخرج بعد ذلك إلى مهرجان كان ليمثل اسم الثورة السورية وصراع شعب كامل لمدة عامين تحت أسوأ ظروف الاحتلال؟

(هذا المقطع يحوي على تفاصيل من نهاية الفيلم، إذا لم تكن ترغب بقرائتها يرجى متابعة القراءة عند إشارة *)

جاء مشهد النهاية ثقيلاً بارداً متوقعاً. يقوم أحد حرس الرئيس (حسام الدين ملص) بقتله في حمامه الخاص وتصويره وإرسال الفيديو إلى محطات الأخبار التي تعرض الخبر بينما يكون الأخوين – و بأداء مسرحي – في عراك مدمِ لقتل أحدهما الآخر فيتوقفان عن القتال ليتابعا الخبر على شاشة التلفاز، بينما يكون والدهما يعاني من انهيار عصبي بعد أن هجرته زوجته وأهانه الرئيس لخطأ يقوم به في العمل فيقوم – بتمثيل مصطنع مزعج – بتحطيم كل أثاث المنزل وقتل نفسه.

*

رغم تصفيق الحضور على مشهد النهاية لكنه لم يكن برأي لإعجابهم به بل لأنهم كانوا جميعاً يحلمون بهذه النهاية واستطاعوا أن يعيشوها للحظة سرعان ماتبخرت بمجرد أن انتهى عرض الفيلم وتجاوزوا عتبات الصالة وعادوا إلى واقعهم المر ، حيث النظام ما زال يعيث في الأرض فساداً والعالم ما زال يتفرج على معاناتنا بصمت وعداد الموتى والمفقودين واللاجئين يرتفع يوماً بعد يوم.

عاد السوريون جميعاً إلى واقعهم المر مع خيبة جديدة تضاف إلى رصيدهم.

Advertisements

الأوسمة:

رد واحد to “باب شرقي”

  1. عابر مقال Says:

    للأسف، كنت أود أن يحمل نقدك شيئاً يبشر بتغير ما في أي عمل فني جديد بعد الثورة (أوخلالها) وبما أنني لم أشاهد هذا الفيلم وأثق برأيك، فأنا على قناعة تامة بأنه فاشل من الطراز الأول، وبدأت معك أتخيل ذاك الأداء المتهالك أمام توق الناس لجديد، الشخصيات التي حازت على دور البطولة لا علاقة لها بأي بطولة، أسماء ظهرت مع الثورة كبديل لشخصيات غائبة، في الثورات يمكن أن يصبح أي شيء جميل طالما أنه وقف مع الثورة، حتى بعوضك ذاك تصبح قرصاته محببة إن كان يئن بصوت البعوض السوري المنشق، مازلت تنقصنا بضع ثورات.. قبل الثورة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: