عن دمشق والشتاء والحب

فتحت نافذة الغرفة، أغمضت عيني وأخذت نفساً عميقاً رسم ابتسامة على وجهي.. إنه هو، لقد جاء.
كانت الساعة ماتزال تشير إلى السادسة صباحاً حسب التوقيت الشتوي الجديد الذي منح الجميع ساعة إضافية لـ”يستفيدوا من وقتهم” فقضوها بالنوم وفضلت أن أقضيها أستمتع بحضوره.
أخرجت بطانيتي الخمرية من خزانتي ووضعتها على كتفي وبدأت جولتي في المنزل من نافذة إلى أخرى، أتأمل مطر مدينتي ينهمر بلطف على شوارعها. ابتسمت حين تذكرت كيف يفترض أن تغتسل الدنيا بعد هطول المطر، إلا هنا فإن كل شيء يتسخ !

اليوم هو يومٌ حافل في دمشق.
الجميع مشغول بالتحضير لموسم الشتاء. فالبعض قرر بسط سجاده على أرضيات منزله، والبعض قرر تأجيل تلك العملية للعيد. كما بدأت عملية تبديل الملابس الصيفية بالملابس الشتوية التي لطالما وجدتها أكثر أناقة.
حتى بائع المازوت المتجول يبدو هنا طقساً من طقوس الشتاء ببوقه المزعج الذي يعلن وصوله إلى الحارات ليسارع الناس إلى تعبئة خزاناتهم استعداداً لبرد الشتاء. ويأتي بعد ذلك دور الحمام الشتوي المميز. رغم أن البعض قد يجده مزعجاً وقديماً إلا أني أجده محبباً عندما يتم إشعال (الآظان*) بالمازوت وتدفئة الحمام بناره ومن ثم الاستحمام بكل ذلك الدفء والحرارة.

حلّ المساء سريعاً في هذا اليوم الشتوي. النهار أصبح قصيراً وسيقصر أكثر. أخرجت من خزانتي ملابسي الشتوية بسعادة وارتديتها على عجل وتوجهت إلى درس الفرنسي، هوايتي التي أمارسها مؤخراً. كنت متلهفة للمشي تحت المطر، للشعور بذلك المزيج السحري من البرد مصحوباً بالدفء.

Paris, Mon reve
باريس، حلمي

كان هذا عنوان الدرس. لم أكن أستطيع الإصغاء كثيراً إلى الكلمات الفرنسية، فقد كان لصوت المطر وقع أكبر. وكانت لرائحته ممزوجة برائحة الخبز الشهي المنبعثة من المخبز المجاور سحرٌ لا يوصف. لم أستطع إلا أن أدع ذلك العبق يحملني إلى شوارع باريس المبللة بالمطر المحملة بمقاهيها المختلفة.
كم حلمت بقضاء يوم شتوي هناك، معك أنت لا غيرك، يادافئ العينين. وجهك بين يدي، وقلبك يمطر حباً.

باريس، حلمي. أنت، حلمي. وسيأتي ذلك اليوم الذي أعيش هذا الحلم.

انتهى الدرس وخرجت من المركز إلى المخبز القريب لأشتري أي قطعة تحمل تلك الرائحة التي أثارت جنوني طيلة الدرس. مشيت في الشوارع أحمل ابتسامتي كمظلة. أفكر بكل من يجعل هذا اليوم عابراً دون أن ينتبه لتفاصيله.

أغمضوا أعينكم قليلاً. أصغوا إلى عزف المطر المنفرد على أرصفة الطرقات المرهقة. تنفسوا ذلك العطر الذي لا يعبأ في قوارير للبيع. افتحوا أعينكم  وتأملوا مدينتكم تغتسل بطهر تحت المطر. ارفعوا رؤوسكم، دعوا قطرة مطر تتسلل خلسة إلى شفاهكم وتعيدكم أطفالاً.
هل شعرتم بدفء يغمر قلوبكم وسلام يسكن أرواحكم؟

ذلك هو المطر، يشبع كل حواسي ويأخذني إلى أبعاد أخرى. يبعثني أنثى من جديد، يوقظني من سباتي الصيفي العميق يغسل كل حزن علق في ثنايا قلبي.

دمشق والشتاء والحب. ثلاثة أبعاد لعالمي. إن غاب بعدٌ، أغيب أنا.

الجمعة 30-10-2009

سعاد

———-

الآظان: آلة لتسخين المياه باستخدام المازوت يكون من النحاس شكله مخروطي يوضع بالحمام
Advertisements

22 تعليق to “عن دمشق والشتاء والحب”

  1. gfgf Says:

    “ارفعوا رؤوسكم، دعوا قطرة مطر تتسلل خلسة إلى شفاهكم وتعيدكم أطفالاً.”
    رائعة تلك الكلمات….

    انشالله تكون الشتوية الجاية بباريس
    أيه متل ما عم قلك ……. ليش لأ؟…..
    يلي بيقدر يحلم بيقدر يوصل.

  2. حمزة Says:

    j adore a paris
    أعشق باريس حد الثمالة ..
    لكنني أهيم بدمشق حتى الحنون .

    أسعدني كثيرا ً أنك تستيقظين في السادسة صباحا ً
    لا تستغربي ذلك لأنه حلمي منذ أعوام .

    مررت من هنا

  3. strange90 Says:

    لا يوجد ما هو اجمل من المطر ……..حقا اشتقنا للشتاء , فعلى غير عادته تأخر حتى يأتينا هذا العام

    لكن عندما جاء جعلنا نترحم على ايام الصيف …..ههه ,,,,,بردان ,,,,

  4. someone Says:

    سُعاد ..
    هيَ ثُلاثية مُميتة بذهابهــا ..

    أنا رحلتُ منذُ مدّة لأنّ الشتاء و الحب ودمشق أصبَح لها طعم آخر غير الذي عرفتهُ سابقاً ..
    😦

  5. وائل العلواني Says:

    يا الله يا سعاد.. تدوينة رائعة وعذبة جدا.. أيقظت ذكريات يحاول المغترب وضعها في خانة النسيان حتى لا يؤلمه الحنين اليها..

    صباح الشتاء والمطر..

  6. soos Says:

    gfgf
    من تمك لباب السما ^__^

    حمزة
    هناك متعة بالاستيقاظ صباحاً، قبل الناس وقبل المدينة. كنت أتمنى دائماً لو أستطيع التجول في شوارع دمشق مساء بعد منتصف الليل أراقب مدينتي بصمت لكن حتى يأتي ذلك اليوم الذي أستطيع فيه السير ليلاً بحرية سأبقى أستمتع بالصباحات الباكرة. تحية

    Stranger90
    لا أترحم أبداً على الصيف! لا أطيق انتظار رحيله !
    تحية مطرية

    someone
    ثلاثية نحن نحافظ على بقائها. ونحن نمنحها طعمها. أتمنى لك ثلاثية تمنحك الحياة!

    وائل
    هي تلك اللحظات التي أشعر بها في السعادة لأني لم أغترب. وأتمنى ألا أفعل.

    تحياتي الشتوية لك

    شكراً لمروركم جميعاً

  7. حسين غرير Says:

    “أفكر بكل من يجعل هذا اليوم عابراً دون أن ينتبه لتفاصيله”
    هناك الكثير الكثير من الذين لا يمر عليهم هذا اليوم مروراً عابراً، لأنهم يفكرون به على أنه نذير قدوم فصل البرد وما أدراك ماذا يعني البرد بالنسبة لهم، إنه يعني الحيرة في تأمين متطلبات الدفء من سجات ولباس والأهم من ذلك المازوت. بدأت العائلات منذ أكثر من شهر بحثها الحثيث عن مصدر لتأمين ثمن المازوت، ومنهم من بدأ يفكر ببدائل ومنهم من يتحسر عليه فقط.
    مع التحية لمشاعرك الرقيقة.

  8. صرخات Abo-7ajjar Says:

    كم هو جميل أن أغسل نفسي بمطر دمشق …
    مطر الغربة هنا ملوث برمل الصحراء المتطاير …يأتي المطر ليغسل الهواء ويخفف من ثقل الرمل الأصفر فيلقيه على رؤوس من نزل ليتغتسل..
    كم انت جميلة يا دمشق ..وكم بعيد حلمي..
    شكرا لمشاركتنا اللحظة

  9. سوســة Says:

    في مثل هذا الوقت من العمــر … لا تمــرني سوى أغنيــة لفيــروز .. بصرختها وصخبها ذاك الذي يولد بنا الشعور بالمطر … في العز الصيف ..

    “رجعـــــــــــــــت الشتوية “…

    دمشـــق .. والشتــاء … وحــالة حب لن تأتي …

    دمشــق .. والشتــاء … وكثيـــر من الثلــج ..

    دمشــق .. والشتــاء … وفيــروز …

    دمشــــق .. والشتــاء …. وأنــا …

    ثــلاثياث غائبــة حــد أنني لم أعــد أذكر أنني عشتــها يومــاً … أو ســأعيشــها يومــاً ..

    غــائبـة .. حد المــوت !!!

    سوس ..
    كثير من الغيــرة … وقليـل من الحســد .. لكــل من يعاصر شتاء دمشق .. ودموعها ..

  10. Loujain Says:

    حروفك دافئة مثل شتاء دمشق .. دفا الروح بعزّ البرد !

  11. ريما Says:

    يالجمــــــــــال وروعة ذوقك يا ســــــعاد …حبيبتي المقطع غاية في الروعة

    تحية شتوية معطرة بندى قهوة الصباح ترحل لعيونك وقلبك الدافئ …

    هنا ومن ارض غربتي ارسل لكِ كل ياسمين الدنيا شكرا على ما شـــــــــاركتينا به

    ما أروعه وما انداه من صوت وعزف …….

    سلمتِ لنا وسلم صباحك الشــــــــــتوي الرائع بانتقاآتك الرائعة حبيبيتي

    ريــــــــما ……من وطن الاغتراب

  12. Moaz Says:

    من أعذب ما قرأت …
    أحاسيسك وصلت .. وصلت تماماً ……

    أحييكِ وأحيي كلماتك!!

  13. free_programmer Says:

    يالله ما أجمل شتاء بلادي و ما أصعب برد الغربة , شكراً إلك على هالوصف , كأنو كان مكتوب داخل قلبي من سنين و انت كتبتيه ,ان شاء الله يصير مطر بالعيد حتى احسن عيشه من جديد.
    تحياتي

  14. soos Says:

    يوم جديدٌ في دمشق ومطر ﻻ يتكرر رغم تكرر هطوله. يحمل في كل مرة ألقاً جديداً..

    لكم ودّي

  15. maram_soft Says:

    ما احلى احلامك بس عم تفكري تقضي ايامك مع من تحبي بفرنسا يا رب ما في احلى من الاحلام اما انا يا صديقتي فكم احلم ان اقضي ايام الشتاء الماطرة في ايطاليا ما بعرف ليش هي المدنية تملا مشاعري واحساسي بالرومانسية بس يا ترى رح يتحقق حلمي وحلمك

  16. Bachar Says:

    Your words were amazing. As for me, I dream for a winter in Syria!

  17. Bachar Says:

    Your words were amazing. As for me I wish for winter in Syria!

  18. Za3bour Says:

    بعد زمان والله

  19. anonymous Says:

    بدك الصراحة انا كل ما بقرا مقالاتك بشعر باعجاب كبير بروح الإنسانة يلي جواكي

    سعاد بتمنالك التوفيق من كل قلبي

    Anonymous

  20. SooS Says:

    مرام – بشار – طارق
    والمجهول

    شكراً لمروركم على رصيف كلماتي.

    كم أتمنى لو أعود إلى هنا.. كم أتوق

    دمتم بود

  21. رورو Says:

    يسلم ايديك نزلتي دموعي متل المطر وانا المغتربة المحرومة من ثلاثتهم

  22. SooS Says:

    رورو أتمنى لك عودة سالمة والقدرة على الحصول على ثﻻثتهم

    ليهون الله لك غربتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: