ثم أثلجت

أجلس على الأرض بجانب مدفأة بيتنا ، أتأمل اللهب الدافئ المتأجج خلف زجاجها ، ثم ألقي نظرة على الثلوج المنهمرة بشغف خلف زجاج النافذة . يختلط المشهدان داخلي مشكلان مزيجاً دافئاً مثيراً ، فأغمض عيني ، لأرى كل ندفة تهطل في أعماقي ، لتوقظ روحي من سبات شتوي طويل .

أمسك قلمي ، وأفتح دفتري الأسود . أحاول أن أرسم الكلمات على الصفحة البيضاء ، أحاول أن أخلق جملة أبدأ بها هذه الصفحة ، لكن سحر الثلج بقي يشتتني ، فألقي نظرة خاطفة لأطمئن أنه مازال هنا ، فأجد المنظر أكثر جمالاً من أي شيء رأيته في حياتي ، وأن أي شخص يشيح نظره عنه ، لهو مجنون بلا شك .إن سحر لحظة كتلك بعتمد عى لحظات كثيرة سابقة ، كانت السماء فيها خالية من أي أثر للحياة ، والمدينة قد تجمدت روحها من أثر الصقيع المعشش في شوارعها الضيقة ، والناس قد اختبؤوا في بيوتهم خوفاً من البرد القارص ، يهمسون سراً بينهم وبين أنفسهم كل ليلة : ” يارب تبعت الخير “
كانت مدينتي التي أعشق – دمشق – تضيق بي يوماً بعد يوم ، لم أعد أطيق لا المكان ولا الزمان هنا . كان كل شيء يبدو وكأن طاقة كبيرة تحركه نحو الأسوأ . وأنا ، كما أنا ، لا أطيق الانتظار ، ولا الصبر . وحده الحب كان يبقيني على قيد الحياة ، على قيد الأمل .

استيقظت اليوم ، ككل يوم ، دون أن أدري أنه لن يكون أبداً ، ككل يوم .
ألقيت نظرة من النافذة لأجد الغيوم محتشدة في السماء ، فابتهجت : ” وأخيراً يوم بلا شمس .. أكيد بدها تمطر اليوم ! “
لم تمض ِ دقائق معدودة حتى كان الثلج قد غزا الأرض . وكنت أنا أقفز من الفرح وأنا أصرخ : “تلج .. تلج ” .
رن هاتفي كثيراً . تلقيت المعايدات والتهنئات والمباركات بمناسبة هطول الثلج ، لكني لم أستطع سوى أن أرد بنفس العبارة وبجنون : ” تلج .. تلج ” .
كانت ندفات الثلج تتمايل بغنج في السماء ، لترتمي بين أحضان الأرض بشوق
كانت تثلج بشغف ، تروي قلوباً أتعبها الجفاف والبرد ، تغطي كل شيء بلون أبيض ، لتصبح المدينة بكل مافيها من ساكنين وعابرين ومشردين وقطط تائهة وسيارات فخمة ودراجات مهتلكة وأبنية عتيقة وأبنية حديثة ومكبات نفايات ، لتصبح كلها روحاً واحدة ساحرة أنيقة .

لم أنتظر أكثر ، ارتديت ملابسي ومعطفي المطري ، وضعت شالي وقفازاتي ، وارتديت حذائي على عجل ، وطرتُ إلى الخارج . استقبلتني ندف الثلج بسعادة أو هكذا خُيّل إلي ، كانت كلها تتجه نحوي بسرعة مع الريح فتقبل وجنتي الباردتين ، وأطير من السعادة . أمد يدي لأتركها تتهادى على كفّي الصوفيين وترتاح من رحلتها الطويلة بين السماء والأرض . أكملت سيري وأنا أفتح فمي بين تارة وأخرى لأتذوق طعم الثلج الرائع . مشيت كثيراً وتوقفت كثيراً لألتقط صوراً في ذاكرتي ، وصوراً بعدسة كاميرتي والتي أعلم أنها لن تستطيع الاحتفاظ بربع المشهد أمام عينيّ .

كانت دمشق ترتدي أروع حللها . أحببت مدينتي أكثر من كل شيء لحظتها ، حمدت ربي أني لم ألحق الطيور المهاجرة رغم كل شيء يحدث هنا ، إلا أن لحظة كهذه كفيلة لتجعلني أبقى في هذه المدينة إلى الأبد .. أحيا ، وأموت ، ثم تثلج ، فأحيا من جديد .

توقفت عن الكتابة قليلاً . وقفت أمام النافذة المطلة على الثلوج ، وأطلقت نفساً دافئاً فسارع الضباب ليتشكل على الزجاج ، رسمت بإصبعي قلباً صغيراً ، ثم شردت ببصري أراقب ندفات الثلج .

أحبّك .. كم يبدو اليوم مناسباً لأقولها لك ، لأعيدها لك ، لأهمسها لك .أحبّك .. أنت وحدك تقدر على جعل كل يوم لنا معاً ، يوماً ثلجياً دافئاً .
من المؤسف أن تكون بعيداً ، ألا نلتقي في يوم ٍ كهذا ، ألا تكون يدي في يدك .
أبتسم ، وأنا أتذكر سؤالك ” يعني هلأ مين بين بتحبي أكتر أنا ولا التلج ؟ ” –
تغار منه ، تجدني دائمة الحديث عنه ، والشوق له ، وها أنا أطير للقياه .
بحب التلج معك .. بدونك رح يفقد جزء كبير من أهميته ، وبدونو رح أفقد جزء كبير من أهميتي” ” –

يحلّ المساء سريعاً ، والثلج مازال ينهمر بحب على دمشق ، ومازالت أنا خلف النافذة أراقبه بوضوح عند عامود الكهرباء في الشارع . أصبت بخيبة لعدم قدرتي على الخروج لرؤية المنظر ليلاً ، فارتديت معطفي وقبعتي وشالي ، وأعددت فنجاناً من الشوكولا الساخنة وجلست على الشرفة ، أراقب المنظر بخشوع ، ومارسيل يصدح برائعته : ( أمرّ باسمكِ )
هكذا ، انتهى يوم رائع لن يُنسى ، غفوت بابتسامة ، واستيقظت بابتسامة ، فالثلج مازال هنا ، والحب في كل مكان .

دمشق ، دمتِ بخير

Advertisements

9 تعليقات to “ثم أثلجت”

  1. sami Says:
    مسا الخير 
    هو هكذا بالنسبة لي لأني لا أمتطي لحظة المجهول عبر سطور مضيئة بالأمل سوى في مسائي
    وصلت الى هنا وأنا أبحث عن ما يشبهني ياختصار أبحث عن دمشق بين لفائف الملل
    دخلت فسحتك هذه
    وكأني دخلت بيت جدتي كل كلمة تردني لحنين لم أعشه ولكني أحسه
    دمشق ترتدي ثوب العظمة بين يدي فيوز تصدح بصوتها بفرح الحلم الذي تحقق معي ومعك بيوم واحد انه التاسع والعشرون من كانون الثاني لعام 2008
    لن أقول سوا ………………………لا أستطيع التعليق أمام ما شاهدت وقرأت
    هنيأ لكل من حولك بهذه المشاعر
    وشكرا
  2. om alol Says:
    السلام عليكم
    في اليوم الذي حُجبت فيه مدونتي , وجدت متسعاً من الوقت لاتسكع هنا و هناك
    و صادفت ضمن " مدونات صديقة " : ندفة ثلج , و أحببت أن أتعرف على ما حل بها
    لكن كما عهدتك , كلمات حلوة مؤثرة , تعكس حساً أدبياً و قارئة روايات من الطراز الأول
    أتمنى لك التوفيق في حياتك
    و مازلت حتى اللحظة ترادوني الرغبة في التعرف عليك يوماً ما
    دمت بحفظ الله
    أختك
  3. (no name) Says:
    mou bas 2sloubek bil l3b 3al kalimat ktir hlou…2sloubek bil all3b 3al a7asis ktir faga2ni,ana ma bt5ayal 7ali 2ni hek 2t2asar bi 2rayet 2ssa ad ma t2asrt ana w 3am 2i2ra hala2…..3anjad shoukran sous..la2ano 5aleti hal nhar alhlou ndal ntzakaro w ndal nrga3 n3isho kl ma n2ra "ثم أثلجت"
  4. علوش Says:

    هلأ إنت طالبة معلوماتية؟ لأنو بتذكر مرة كنت فيها عن تصميم موقع

    النقطة هون إنو بدي قول إنت مو بس طالبة معلوماتية إنت طالبة آداب وشعر

    أسلوبك باللعب بالكلمات كثير سلس ومشحون بسحر غريب

    حسيت حالي للحظة فعلاً بالتلج وللغرابة مديت ايدي على خدي لأتأكد من إنو مالي عم أحلم

    ليش ما تستعملي ووردبرس أو حتى تمتلكي مدونة مستقلة، انتشار أكبر لا تحرمي الناس ابداعك

    مستعد أساعدك بالانتقال ولو إني حاسس إنك بتعرفي أكتر مني، بس مو مشكلة، إذا بدك مساعدة لا تتردي

    http://www.wordpress.com
    http://arabic.wordpress.net/

  5. (no name) Says:
    ندفة تلج، انت حقا رائعة
  6. Soo Says:

    شكراً للثلج .. وحده يجعلنا رائعون ..مع تحياتي

  7. S Says:

    هلا علوش .. أولا شكرا كتير لكلماتك اللطيفة .. بالنسبة للانتقال فأنا كتير فكرت بالموضوع وعملت مدونة عالوردبرس بس كتير كان صعب اني انتقل وانقل كل شي معي مع التعليقات والصور والتواريخ ، لذلك ضليت هون وشكلي رح ضل هون .تحياتي إلك وللتلج ..طالبة معلوماتية 🙂

  8. SooS Says:

    رشروش .. تسلميلي .. عقبال ماتركبي كيبورد عربي يارب 🙂

  9. SooS Says:

    أم اللول من يدري أي فضاء قد يجمعنا .. تحية لكسامي شكرا لمرورك ، وشكرا لفيروز .. دائما وأبداً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: