المؤدي غير معروف


هل شاهدتم فيلم (سبايدر مان 3 ) ؟
ولا أنا ..
لكني استطعت التقاط بضعة مشاهد أثناء متابعة أخي الصغير له .
في الفيلم ، يظهر بطلنا المعروف وقد علقت به -بطريقة ما – مادة سوداء تتشكل حول جسده كاملاً، و تحوله إلى شخص سيء .
في أحد المشاهد ، يظهر البطل وهو يحاول التخلص من تلك المادة عن طريق
سحبها بعيداً عن جسده بكل قوته ، فكان كمن يحاول نزع جلده. كان يصرخ ويبذل
جهداً كبيراً ، وتلك المادة تنسحب ثم لا تلبث أن تعاود الالتصاق به من
جديد .

إن تلك الصورة بكل أبعادها ، هي أقرب الصور التي أتخيل بها نفسي في كثير
من حالات صراعي النفسية مع ذاتي : أحاول نزع جلدي . نزع روحي ، لكنها لا
تلبث أن تعود للالتصاق بي ، وبقوة أكبر.
في حالات مشابهة ، قد أرسم لنفسي صورة وأنا أكسر زجاج نافذة غرفتي ، أو خزائنها . أو شيء صالح قابل للكسر .
صورة مخيفة تختبئ خلف ذلك الوجه الهادئ الذي أحمله .
كنتُ أعتقد دائماً أن تلك الصور والتخيلات ناتجة عن كمية الغضب الشديد
الكامن في أعمق أعماقي ، المتراكم عبر الزمن ، والمتزايد بسبب احتباسه ،
وعدم وجود متنفس له . لكني اكتشفت بعدها أنها انعكاسات لرغبتي في التحرر
دائماً من شيء أجهله ، من قيود فُرضت علي ، وفرضتها على نفسي.

ها أنا ألعب دور المريض النفسي ، وطبيبه . أصاب بالعلة ، وأشخّص حالتي .
كم هو مرهق ذلك التناقض الذي أحمله في مورّثاتي . لم أعرف الوسط يوماً ،
كنتُ دائماً أملك من كل صفة قُطبيها ، الموجب والسالب ، فتتولد تلك الطاقة
الكامنة الناتجة عن تجاذب القطبين المختلفين ، و التي أعجز في كثير من
الأحيان عن احتوائها ، أو تفريغها بالشكل المناسب .

المجنونة والعاقلة ، السعيدة والحزينة ، القوية والضعيفة ، اللطيفة واللئيمة ، المتمردة والخانعة .. وبعد وبعد وبعد .

أحاول عبثاً أن أهدئ ثورتي العارمة التي تباغتني بين حين وآخر . أتذكر
كتاباً منسياً للساخر (عزيز نيسين) ، أحتاج ابتسامة ، ولو كانت سوداء .
أقرأ للمرة الأولى قصة حياته في صفحات قليلة ، لأصطدم من جديد ..

"والدي
، ومثل أي أب يفكر بمستقبل ابنه ، كان دائم النصح لي بالابتعاد عن الكتابة
والبحث عن مهنة أكسب منها رزقي . لكن عدم الإصغاء لنصحه لم يكن بيدي .


لم تجر الرياح كما أشتهي . فبدلاً من أن أحمل قلماً بيدي ، دخلت مدرسة ً تلزمني أن أحمل بيدي سلاحاً .

كنت أحلم أن أصبح كاتباً ، فأصبحت ضابطاً ."

أتذكر على الفور صفحات حياة (باولو كويلهو ) التي قرأتها ذات يوم ..

"منذ
هذا الزمان عرف طفل الأسرة المتوسطة مهنته الحقيقية. كان يريد أن يصير
كاتبا. لكن والدي باولو كان لهما رأي آخر، كانوا يريدون له أن يصير
مهندسًا، وأرادا أن يخنقا رغبته في أن يكرس حياته للأدب..!! أدى هذا إلى
إثارة روح التمرد عند باولو، وبدأ في خرق القواعد المرعية في العائلة. رأى
أبوه في هذا السلوك علامة من علامات الجنون والمرض العقلي وعندما بلغ
باولو السابعة عشرة من عمره كان أبوه قد أودعه المصحة العقلية مرتين!!
هناك تعرض باولو لعدة جلسات من العلاج بالصدمة الكهربية.


بعد هذه المرحلة
التحق باولو الشاب بمجموعة مسرحية، وبدأ في العمل كصحفي، رأى أبواه
الكاثوليكيان في هذا أمرًا شائنًا؛ فالمسرح في نظر الطبقة المتوسطة في هذا
الوقت كان بؤرة الفساد والانحلال.


ومن ثم أصر
أبواه المرعوبان على إدخاله المصحة أكثر من مرة، ربما ثلاثة، ضاربين عرض
الحائط بكل وعودهما له. وعندما خرج باولو كان ضياعه أشد. وفي محاولة يائسة
أخذته الأسرة لطبيب نفسي جديد قال لهم: "باولو ليس مجنونًا، ويجب عدم
إدخاله مصحة. عليه ببساطة أن يتعلم كيف يواجه الحياة."

ومن بعدها حكاية (جبران خليل جبران ) ..

"
أما والد جبران .فقد كان أمياً يعمل راعياً للماشية ويمضي أوقاته في الشرب
ولعب الورق. "كان صاحب مزاج متغطرس، ولم يكن شخصاً محباً"، كما يتذكر
جبران، الذي عانى من إغاظته وعدم تفهمه.


قضى جبران
طفولته في جو ديني وملئ بالتعصبات القومية. لقد اثرت شخصية والده العصبية
والمتعنفة على روح ونفسية جبران ولم تتركه ابدا خلال حياته."


ولا أعلم – ولا أريد أن أعلم – كم غيرهم من الكتاب الذين حاول أهلهم تغيير مسار حياتهم ، أو محاربة رغباتهم !

ما قصة الأهل منذ الأزل ؟!
لم يصرون على تغيير مسار أبنائهم قسراً ، متجاهلين رغبتهم ، وضاربين بعرض الحائظ موهبتهم واهتماماتهم ، مدّعيين حبهم وخوفهم ؟

وماقصة الأجيال اللاحقة ، والتي حتى يومنا هذا ، لم تتمكن من كسر ذلك القيد والتمرد في سبيل الحرية الشخصية ؟

رغم كل المظاهر الخادعة التي توحي بأن جيل اليوم هو جيل الحرية ، فإنه وفي
الواقع أبعد مايكون عنها . هو ، وللأسف ، محاولة فاشلة لتهجين الأفكار
القديمة والمعتقدات البالية ، مع أسلوب العصر الحديث ، والرغبة الشخصية
للفرد ، مما أدى لولادة مسخ . جيل مشوه ، نراه كل يوم في حجاب فتاة ترتدي
ملابس قصيرة ، وفي هاتف خليوي لشاب يحمل أغنية (بوس الواوا ) و يليها
مباشرة نشيد ( يا طيبة ) !

بالعودة إلى نيسين ، فقد كانت إحدى قصصه الرائعة ، تتحدث عن سيدة ترى في
منامها أنها تسير وسط جمع كبير من الناس ، فيصرخ أحد ويأمرهم جميعاً برسم
دائرة تحيط بهم بالطبشور أو القلم ، ومن لا يجد كليهما فليرسمها بمخيلته .
وكان الجميع يطيعونه بلا جدال . ثم أمرهم ألا يمحوا تلك الدائرة ، ولا
يحاولوا اجتيازها ، فبقي الجميع محتجزين في سجن من صنع أيديهم .

ترى .. من منّا استطاع أن يخرج خارج تلك الدائرة ؟
والأهم .. من هو ذلك الشخص الذي أمرنا أن نرسمها ؟



*****

وضعت القرص الليزري في مكانه المخصص ، وبدأت بنسخ
محتوياته إلى جهازي . لم أنتبه إلا وقتها ، أني قمت بتحميل النسخة العربية
من البرنامج الشهير (ميديا بلير ) ، لذلك عندما انتهى البرنامج من نسخ
المقطوعات الموسيقية من القرص ، ظهرت ضمن ملف تحت عنوان " المؤدي غير
معروف " والتي كانت لتظهر – في حال حملت النسخة الانجليزية – تحت عنوان

"Unknown Artist"

أوقفني العنوان كثيراً ، وجدته في البداية غريباً ، فمضحكاً ، ثم آسراً
بطريقة لم يفارق فيها مخيلتي . وجدته يتكرر ألف مرة بدون توقف كما هو
الحال عندما أجد عنواناً أستوحي منه فكرة لنص ما .

حاولت تجاهل نداء العنوان لكتابة خاطرة ، بدأت بتفقد المقطوعات الموسيقية
والتي تحول اسمها أيضاً بفعل النسخة العربية إلى " المسار 1 ، المسار 2 ..
وهكذا " كانت دائماً تضحكني تلك الترجمات الغبية لكلمات لا تترجم ، لذلك
كنت أحرص دوماً على استخدام اللغة الأجنبية لأي برنامج ولأي كتاب ، ولأي
شيء صالح للترجمة .


إضغط هنا لرؤية الصورة بشكل كبير في إطار منفصل

يرجى الإنتظار تى الإنتهاء من تميل الصورة.إضغط هنا لرؤية الصورة بشكل كبير في إطار منفصل

يرجى الإنتظار تى الإنتهاء من تميل الصورة.
يرجى الإنتظار تى الإنتهاء من تميل الصورة.


سعاد
22-8-2007
الساعة الرابعة فجراً


Advertisements

7 تعليقات to “المؤدي غير معروف”

  1. (no name) Says:

    أثارت مدونتك يا صديقتي عاصفتان .. واحدة في رأسي و الثانية في وجداني..

    فأما عصفك برأسي فقد أخذني بتسلسل غريب إلى ربط حلم كاتبة واعدة بحلم مغامرٍ مجنون اسمه كريستوفر كولومبوس و كأن عاصفة التفكير تلك كانت تردد على مسامعي الأغنية الجدلية المعروفة ( و المفتاح عند الحداد و الحداد بدو بيضا و البيضا عند الجاجة ..) و صرت شبه مقتنعٍ بأن هذه الأغنية هي تماماً ما كان يردده الناس على مسامع بعضهم البعض و هم يرسمون الدوائر حول أنفسهم بالأقلام و الطبشور..

    الأهل و الحرية ..هل هما كلمتان متنافرتان يا ترى أم أن التنافر الحقيقي هو كامنٌ بين الخوف و الحرية و أن الأهل ليسو أكثر من أدواتٍ بيد الخوف ؟؟!

    هل علينا أن نقف في وجه أهلنا أم في في وجه الخوف للبحث عن الحرية كما فعل كولومبوس في بحثه عن حلمٍ بأرضٍ لم يراها و لكنه كان يشعر بوجودها (دون أن أدري حقيقةً فيما إذا كان لكولومبوس أهل !!)

    ما أردتُ قوله من رأسي هو أننا معنيون أكثر بحريتنا و لكن الوجع الحقيقي هو أننا نفهمها متأخرين جداً و بأن الشجاعة و للأسف لا تنتظرنا طويلاً على الباب !!

    ثاني العواصف كانت في الوجدان الذي لا يحمل لكِ أخباراً سارّة ..

    هل حدثَ أن كرهتِ مبدعاً لأنه يقولكِ بطريقةٍ أصدق و أجمل مما تقولين نفسكِ؟؟!

    لطالما انتابني هذا الشعور ..

    و يمكنكِ أن تطمئني إلى أنني و بعد أن قرأتُ قطعتك المبدعة كرهتك جداً !!!

    دمتِ تكتبين ..

    علي كويفاتي

  2. (no name) Says:
    ما بتتخيلي أديش فرحت لما شفت انك وأخيرا كتبتي بعد طول غياب، ما شاء الله اسلوبك كتير رائع وموهبتك فعلا بتسحر
    كل انسان عندو تناقض  بداخلو او بسبب المجتمع ياللي عايش فيه، بالاخر التناقض هاد هو اللي بيخلق التمرد والخروج لمواجهة الحياة بقوة
    http://jasmine-of-damascus.blogspot.com/
  3. (no name) Says:
     مرحبا  وليه
    لكي ما احلاني فهمت كل كلمة و مو بس فهمتا كمان اثرت فيني
    ضلك بعثيلي
    love u
  4. Rima Says:

    Soos,
    I know you’ve probably heard this a lot before, but you have an amazing talent.
    I enjoy every word you write… so please, never stop writing!

  5. علوش Says:

    أول الشي بدي قول يا هلا بتدويناتك الحلوة مرة تانية….
    فعلاً شي روعة, من أسبوع ما قريت خاطرة حلوة متل هي…وهي حددناها ضمن قائمة أجمل ما قرأت….

    لفت نظري كلمة قلتيها وهي:

    "
    ها أنا ألعب دور المريض النفسي …………………….واللئيمة ، المتمردة والخانعة .. وبعد وبعد وبعد ."

    يمكن هذا هو سبب الابداع عند الانسان, دائماً التناقض بيلعب دور مهم لتكوين الرأي وحرية الشخصية…

    يمكن انت حاسة إنو في شيء دفين تحت وجهك الجميل.
    وحاولتي تشبهيه كانوا غضب…

    أنا بقول إنو هو ليس بغضب, هو باعصار, اعصار ينتظر فرصة للخروج وقلب جميع الموازيين, ولكن هو اعصار الابداع, هو اعصار سيمنحك القوة والسيطرة…

    استغليه لصالحك, خليه يطلع وتحكمي فيو…

    ومرة تانية…روعة…
    ___________________________

    أنت استرقت بضع لقطات من الفيلم المخصص لأخيك الصغير, انا شفتو كلو على السينما, وكان روعة الفيلم…

    ليكي بدك أزعل منك يعني معقول ولا زيارة منك لمدونتي …

    aqmme.ueuo.com

    بالنسبة لموضوع الترجمات أنا بخالفك بالرأي هون…
    أنا رأي غنو نحن كون شفنا الأسماء الانكليزية للأشياء قبل التسميات العربية صرنا نشعر بغرابة, وهذا العتب على مجمع اللغة العربية المعفن الغبي في تسويق لغتنا…

    قسماً بالله انا عندي القدرة والأفكار لتخلي الأجانب يحكو بالأسماء العربية…

    كل الشغلة ومافيها هي قوة اعلامك ومدى توسع نظام قنوات التوزيع, يعني بكل بساطة علينا أن نوصل التسمية العربية للانسان قبل وصول الانكليزية…هذا كل شيء…

    وبالنسبة للترجمات أبداً هي منطقية جداً, وفعالة, وتحدد تماماً معاني كلماتها الانكليزية…
    وبالنهاية هذا رأي 🙂

    ___________

    سلامات أم السوس, وخلينا نشوفك, لا تقطعينا من تدويناتك الحلوة.

  6. SooS Says:

    thanks alot Rima & 3ali for your words ..

    no name .. put a name 🙂 

  7. SooS Says:

    ياسمين الشام : يفاجئني دائماً قراء لا أعرفهم ، دوماً تعليقاتهم أصدق وأجمل من أي شيء ، كونهم يجهلون حقاً من أنا .. شكراً علي : صديقي المشاغب ، أكرهك حقاً ، لا تدرك كم ضحكت و”صفنت” وأنا أقرأ كلماتك التي أصابت كل الأوتار ، وأعدك في المرات القادمة أني سأظل أكتبك كما أكتب كل القارئين ، دون أن أشعر .كن بخير .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: