موعد بلا موعد

موعد بلا موعد


أكره طبيب الأسنان !

لا أذكر آخر مرة ذهبت فيها إلى عيادته . ربما كان ذلك قبل عشر سنوات . استطعت المحافظة فيها على أسناني طوال تلك الفترة ، حتى جاء يومٌ وتمكن مني الألم . اضطررت بعدها ، وبعد كل (البهادل ) التي تلقيتها لإهمالي وضع ضرسي الصحي المتأزم ، اضطررت للذهاب إلى الطبيب ، خاصة وأن الألم أصبح لا يطاق . وجاء التشخيص على الشكل التالي : تمكَّن النخر من الضرس واقترب من العصب .. يجب سحب العصب قبل أن يستفحل الوضع .

كان خبراً سيئاً ، وأضاف الطبيب نصيبه من ( البهادل ) بسبب إهمالي ، ثم حفر الضرس و غطى العصب بمادة سامة ليقتله ، تمهيداً لسحبه في موعد قادم .

وكان الموعد القادم .. اليوم ..


توسلت إلى أصدقائي أن يرافقوني ، لكن ولسوء حظي ، كان لكل منهم عذره المانع . كنت أعرف نقطة ضعفي في لحظة كتلك ، وأدرك أن طفلة ما ستظهر داخلي أمام الألم والضعف شئت أم أبيت ، وأن الكثيرين سيستغربون موقفي ذلك ، ولا يجدون مبرراً مقتنعاً له . لكن ، هذه أنا .. و لكل مخاوفه الخاصة .

استجمعت شجاعتي المتبقية ، وارتديت ملابسي ، لففت شالي الخمري على عنقي كتعويذة حظ ، واتقاء من برد ذلك اليوم المفاجئ ، وخرجت إلى موعدي المنتظر .

من المؤسف أن أفسد روعة يوم شتوي كهذا عند طبيب أسنان !
أوقفت سيارة أجرة ، وانطلقت في شوارع دمشق قاصدة عيادة الطبيب . تأملت حبات المطر في كل مكان ، التقطت بضع صور لأجمل لوحتين في العالم : دمشق والمطر . ومع اقتراب السيارة من المكان المحدد بدأ قلبي يخفق ، وطفلة تتمرد ” أريد أن أعود .. أرجوكم لا تأخذوني إلى هناك ” .

توقفت السيارة . خرجَت منها مظلتي قبلي ، مشيت بخطوات حاولتُ أن تكون واثقة إلى وجهتي . كنت الوحيدة هناك في ذلك اليوم الصباحي ، لم يطل انتظاري كثيراً حتى سمعت صوتاً ينادي باسمي : ” تفضلي “.

استقبلني الطبيب بابتسامة ودودة ، وبادلته ابتسامة مرتبكة . جلست في كرسي الإعدام .. أقصد كرسي المعالجة ..
– ” بتعرفي شو بدنا نعمل اليوم ؟”
– ” بدنا نسحب العصب! ”
– ” ياعيني عليكي ”
– ” قالولي مابيوجع كتير ”

كنت أحاول أن أخدع نفسي ، وأن أستجديه ليوافقني على ذلك .
– ” لا مابيوجع .. بس إبرة بنج ومابتحسي بعدها بشي ”
اقترب بكرسيه المتحرك مني ، وأضاء المصباح فوق رأسي وقربه إليه .

هنا سأتوقف قليلاً لأصف تحديداً ما الذي أكره في عيادات الأسنان ..

أولاً : كل تلك الأدوات المخيفة ، والتي لا تجدها سوى في ورشات تصليح السيارات . مجرد رؤيتها مصفوفة ومرتبة ومعقمة ، تنتظر فقط الدخول إلى فمك لتعبث به .

ثانياً : مصباح الإضاءة العلوي الذي يظل قابعاً فوق رأسك كعين الكتروني تراقبك وتتفحصك جيداً ، لتشعر كأنك تخضع لعملية تشريح من قبل مريخيين .

ثالثاً : إذا افترضت أني يمكنني أن أغلق عيني وأمتنع عن مشاهدة ما سبق . كيف يمكنني أن أسمع أصوات الحفر والشفط التي تتم داخل فمي ، ولا أجزع ؟ أصوات مزعجة بكل معنى

الكلمة . أقترح حقاً أن يخصصوا للمريض سماعات يضعها ليسمع موسيقى مهدئة للأعصاب .

رابعاً : إذا لم أر ولم أسمع شيئاً .. رائحة المواد الطبية التي يستخدمونها .

خامساً : طعمها بعد أن يحشونها في فمك .

سادساً : الألم الذي لا يطاق .

وبعد كل ذلك التعذيب للحواس الخمسة.. أتساءل ، كيف يكتفون بالتخدير الموضعي ؟

وإلى أن يقرر جماعة أطباء الأسنان بأن يدرسوا جدياً فكرة التخدير الكامل قبل العبث بفم أحدهم ، سأعود لأكمل قصتي . وبالمناسبة .. سأكتب عن كل التفاصيل ، فمن بدأ يشعر بالملل ، فلينسحب .

أخذت نفساً عميقاً ، وفتحت فمي لإبرة التخدير العملاقة . بعد أن أنهت مهمتها ، تركني الطبيب على وعد بالعودة بعد عشرة دقائق ليترك مجالاً للتخدير بأن يقوم بمفعوله .
بقيت وحيدة في غرفة التعذيب . تأملت المكان في لحظات ، ثم أغمضت عيني وتنهدت بعمق .

شعرت بلحظة وحدة .
لا أحتمل أن أكون وحيدة خاصة في لحظة ضعف ، فالشعور بالضعف يكبر ككرة ثلج . فاضت عيناي بدمعتين حاولت كبتهما . كان صوت بداخلي يؤنبني لتصرفي كالأطفال ويحاول طرد خوفي الذي لا مبرر له ، وصوت آخر يواسي ذلك الجزء الذي يتعرض للتأنيب ويخبره أنه لا بأس من الشعور بالضعف .

سابعاً : الانتظار .. حرب الأعصاب الباردة !

عاد الطبيب أخيراً . كنتُ لا أزال مرتبكة . جلس على كرسيه المتحرك وبدأ يدور من مكان لمكان وهو يعد أغراضه .وأخذ يسألني عن موضع إحساسي بالتخدير ، وبعد أن أجبته ،سألته بتردد :
– ” هلأ شو بدك تعمل ؟ ”
نظر إلي وابتسم ، لا بد أنه شعر برجفة في ذلك السؤال . حاولت أن أبتسم ..
– ” بدك تتحملني شوي ، أنا بصراحة بخاف من هالشغلات ”
– ” هيك شايف .. ” وابتسم وهو يكمل ” بدي احفر هلأ الضرس لنسحب العصب .. إزا حسيتي بأي شي ارفعي ايدك الشمال وقليلي .. وإزا عم تدايقي منتألك عيار البنج ”
– ” من الأصل تألو ..”
– ” مابيصير هي مواد كيماوية عم تفوت على جسمك ، وهو العيار النظامي إبرة وحدة “

اقترب بكرسيه من كرسيي ، قرب المصباح ، وضغط بضعة أزرار ليرفع الكرسي الذي أجلس عليه . ( حتى حركة الكرسي لها صوت مخيف ! ) تناول إحدى الأدوات وبدأ بنقر ضرسي ، أعتقد لإخراج الحشوة التي وضعت سابقاً . كانت تعابير وجهي تعكس إنزعاجي ، حاول أن يكمل ،لكني رفعت يدي لأمسك بيده التي يعمل بها . فتوقف ، وسألني :
-” عم تتوجعي ؟”
أومأت ب�
�أسي دون أن أجيب ، فأشار للممرضة بأن تناوله إبرة التخدير من جديد ، وأعاد الكرّة من جديد .
-” كم دقيقة ومنكمل “

انتظار .. انتظار .. انتظار ..
شعرت بالخدر يتسلل إلى خدي ، فكي ، وطرف لساني قبل أن يعود الطبيب . حاولت أن أتماسك أكثر ، حتى لا أكون السبب في أن يقدم ذلك المسكين استقالته من عمله . اقترب مني

،وبدأ بعمله . وبدأ معه سيل الأصوات المزعجة ، والمدمرة للأعصاب . كنتُ لا أزال أستطيع أن أشعر بالألم وهو يعبث بذلك الضرس . وحتى لا يضيع الوقت استخدم إبرة ثالثة مختلفة ، وكانت هذه المرة في الضرس أو أسفله بقليل ( الإبرتين السابقتين كانتا في اللثة ) . وأكمل عمله .

بعد ثلاثة إبر تخدير ، بدأت أخيراً أفقد الإحساس بما يحدث داخل فمي ، لكن فضولي لم يكن قد تخدر بعد . أردت معرفة كل شيء يحدث ، وكل آلة تدخل وخرج . لكن بعد فترة من الوقت طالت أكثر مما توقعت ، تخدر حتى فضولي و وجدت نفسي أستسلم لعمليات الحفر والهدم التي تتم . أغلقت عيني ، وتمنيت أن ينتهي هذا اليوم بأسرع وقت ، وأن يمحى بعدها من ذاكرتي إلى الأبد .

كنتُ مستاءة .
تمنيت لو يضمني أي شخص .. أي شيء .. لو أن هناك زراً يضغط فتُخلق للكرسي يدان تلتفان حولي . أردت أن أ ُضمَّ بشدة ، وكان هذا سبب آخر ليظهر ذلك الصوت من جديد ليؤنبني .
دعني وشأني .. أنا لست كبيرة .. لن أكبر أبداً على المرض ، وعلى عيادات الأسنان .

استغرقت عملية نزع العصب حوالي الساعة ، وكنتُ في كل لحظة يتوقف فيها الطبيب ويلتفت ليمسك بأداة أخرى ، أقول في نفسي : ” أرجوك قل لي أنك انتهيت ” . لكنه لم يكن ينتهي أبداً من فمي ، كان يبدو مستمتعاً في عمله جداً ، بحيث لم يترك أداة لم يدخلها في فمي ، ولا جهازاً طبياً دون أن يستخدمه في معالجتي . التقط أكثر من صورة للفك ، وللضرس ، واستخدم جهازاً يحدد موقع العصب بدقة ، ثم يتأكد من أنه تمت إزالته . لا أعرف بالضبط ماذا فعل ، لكنه انتهى وأخيراً .. تركني دقائق لأستريح وعاد ليغلق ذلك الضرس المسكين الذي أصبح بلا عصب .

حاولت أن أشكره لكني كنت ممتعضة . كما أني كنت أشعر بوزن زائد في جانب فمي الأيمن ، وخدر مزعج في خدي ولساني وطرف شفتي .
تمنى لي الشفاء ، وناولني وصفة لدواء مسكن كل ثمان ساعات ، وموعد قادم لوضع حشوة دائمة .

عندما خرجت من المكان كان المطر قد توقف ، مما زاد امتعاضي . قررت أن أعوض ما فاتني من اليوم الشتوي بالسير في طرقات دمشق المبللة . لم أكن قد قررت بعد وجهتي . بقيت أمشي قرابة النصف ساعة وأنا أفكر بالتوجه إلى المنزل عندما اتصل بي أصدقائي ، وبما أني لم أكن أستطيع الحديث جيداً بسبب التخدير ، توجهت إلى الجامعة حيث كانوا متواجدين . وقرروا اصطحابي في مشوار لتغيير الأجواء .

الشام القديمة .. الجنة عالأرض .

بدأ المشوار من مخبز الكرواسان الشهير ، والذي لا يكون المشوار إلا به . مرّ بالنوفرة ، وبدرجات الأموي ، وانتهى بفرن الخبز الشهي .

مع أني كنت أتضور جوعاً ، إلا أني لم أستطع الأكل . لم أستطع أن أفتح فمي لأكثر من إنش . فقسمت الخبزة إلى أجزاء صغيرة محاولة إرغامها للدخول في فمي وبلعها دون مضغ . حتى أتمكن من تناول الدواء بعد ذلك .

وحسب مبدأ الرفض القابع في أعماقي ، لم يبقَ صنف من الطعام لم أشتهيه !
كتبت قائمة في ذهني بعشرات الأطعمة التي أريد تناولها في اللحظة التي يتماثل فيها ضرسي إلى الشفاء .

أي سحر ذلك الذي يغمرك يا شام ؟

مكان كذلك ، كان كفيلاً بردّ الروح لمن فقدها ، فكيف بضرس أنين ؟

نسيت آلامي قليلاً ، ودعت أصدقائي ، وعدت إلى منزلي متخمة بتفاصيل أريد كتابتها . لكن حالياً .. كل ما أريده هو أن أضم طيفك وأغفو بسلام ..







سوس
17-5-2007

Advertisements

2 تعليقان to “موعد بلا موعد”

  1. علوش Says:

    والله كويس, منيح, اخدت فكرة عن الموضوع شنو, أنا كأني معي تسوس الجذور المكشوفة, لما باكل على ضرسي الشمال بحس بوجع, ولذلك بطلت آكل على ضرسي الشمال, وبلشت أفرشي سناني بانتظام, صرلي على هل الحالة سنة, وأمي بتقلي, لك روح لعند الدكتور, وأنا قلها هئ, هئ, ما بدي……بين وبينك, الخوف من الوجع عم يخليني أفرشي سناني متل المجنون, تقريباً مستحيل آكل شي, إلا ومباشرة بعدين لازم أفرشي, صارت عادة من ورا الوجع, لأ وصرت أعرف أنواع المعاجين الكويسة من المعاجين الكذابية, مثلاً عندك كرست الفوائد السبع, ممتاز, بس سيجنال, مو زيادة, بلينداكس, هذا أكيد مالو معجون سنان, وصرت كل شهر لازم أشتري فرشاية سنان من أحدث نوع…شايفة الخوف من الألم شو بيسوي,  صرت مشتهي أتخيل الألم نفسو بس على الدراسة, شنو من أول الليل, تركت الدراسة, وقاعد عم بحبش على مدونات السوريين, ونازل نتف بهل التعليقات….يالله…باي…سلامات..ودعيلي منشان ما توصل معي للدكتور…لأنو إلي ذكريات أربع سنين معو (شنو كنت مركب تقويم أسنان) وهو يمثل بالنسبة إلي, مسلسل رعب.

  2. ما أضيق العيش لولا فسحة الأسنان « ندفة ثلج Says:

    […] حياتي. منذ فترة شعرت بألم في أسناني ، ولأني (تربيت) من آخر مرة، قررت زيارة طبيب الأسنان . وبعد التصوير البانورامي […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: