مخاض

 فلاش باك
لا يهمني تقاطع الأفكار فيما سأكتب بعد قليل ، ولا يهمني عدم تقاطعها . أريد أن أكتب فحسب . أريد أن أرمي بهذا النص في وجه كل من اتهمني باليأس ، بعدم المحاولة ، بانعدام الثقة ، باهتزاز الصورة .. وغيرها من التهم الاستفزازية . ولأني أدرك أن كل ذلك كان مجرد وسيلة لإعادتي على الطريق سأجمع هذا النص وأربطه بشريطة خمرية وأهديه لهم .

آه كم هي منشية رائحة الورق ، وتلامس قمة القلم بتفاصيل الصفحات بعد غياب طويل .
جميلٌ هذا الشعور ، الشعور بالرضى . بتحقيق الذات . بإنجاز عمل نحبه . منذ أن أنهيت ذلك المشروع الجامعي الصغير والابتسامة لم تفارق وجهي . كان مشروعاً لتصميم موقع على
الانترنت ، كانت محاولتي الأولى ، وكنت مع كل يوم أزداد خبرة وتعلقاً بما أعمل ، أتذكر الآن اللحظات التي نسيت فيها الأكل والنوم لحل مشكلة ما . ومن يعمل في مجال برمجة و تطوير مواقع الانترنت يدرك ماهية المشاكل التي أتحدث عنها ، تلك الصغيرة التي لا تظهر ، ولا تعطي سبباً مقنعاً ، ولا جواباً ممكناً . تجعلك تدور وتدور في حلقة مفرغة ، تعطيها كل اهتمامك وتركيزك ، تنسى العالم المحيط بك لتتشكل حولك هالة تضمك أنت وحاسبك فقط ، وفكرة واحدة : "يا أنا يا هالمشكلة ! " ستظل تفكر بها وأنت في الباص ، وأنت تحاول أن تنام ، وأنت مع أصدقائك ربما . و سواء كانت تلك المعضلة بسيطة ، أو معقدة فإن فكك لطلاسمها يولد سعادة لا تعادلها سعادة في الدنيا ، مما ينسيك كل الضيق الذي شعرت به عند ظهورها . يمكنك بعدها أن تأكل ، تنام أو تفعل أي شيء وأنت مرتاح البال ، خارج تلك الهالة . لكنك ماتلبث أن تعود إليها وأنت مدرك لكم المشاكل التي ستواجهك لاحقاً ، لكنك لا تبالي .

هو ذلك الشعور الذي أتحدث عنه . الشعور بالرضى ، بتحقيق الذات ، بإنجاز عمل نحبه .

لن أكمل في الحديث عن البرمجيات ، فهو بالنهاية السبب الذي أخمن أنه وراء ابتعادي عن الكتابة ، وانشغالي بعشق جديد ، وعالم آخر لن أنتهي من تعلم الكثير فيه مهما منحته من وقتي وجهدي .
سأكتب لكِ مذكرتي ، وحدك يدرك متعة اللقاء . سأكتب لك عنه . أريد أن أكتب بشدة عنه ، أدين له بذلك ، صدقيني لو أحببت رساماً و توقف عن الرسم بعد ذلك فسأتركه لا محالة !

أريد أن أكتب عنه ، ذلك الدافئ الذي اخترق عالمي دون سابق إنذار ، أريد أن أعتق وجهه بين صفحات كتاب كبتلات وردة . أريد أن أسقط أبعاد طيفه على كل لحظة من لحظات حياتي .
أريد أن أخترق ذاكرة التاريخ لأضيف إليها كلمة : أحبك . جديرة هي أن تضاف ، أن تبقى ، وأن تُخلَّد .

أكتب عنه، فتسقط غرتي على جبيني ، أرفعها ، وأفتقده .. هو يكره الغرّة ، وأنا أحبّها ..

*****
مرّ يوم ميلادي عابراً .
عايدني الجميع فيه : أهلي ، أصدقائي ، وأعدائي . وصلتني هدية وأخرى ، وباقة ورد جميلة ، والكثير من الرسائل . لكني شعرت به بارداً مصطنعاً . ربما لأني لا أحب الأعداد الفردية ، وها أنا

قد بلغت عامي الواحد والعشرين . لا أعلم ، أحاول أن أجد سبباً أكثر إقناعاً من ذلك ، ولا أجد .

" كان يوم ميلادك يوماً خالداً في حياتي "

أقرأ الرسالة وأبتسم .

أنا وأبي في عشق دائم بالرسائل . و ما إن نلتقي حتى تنشب حربٌ عالمية جديدة !

ما زالت أمنيتي هي ذاتها أمنية كل عام : السعادة . جزء من اسمي ، أستحقه ، وأريده .. بشدة .

*****
عدتُ من لقاء صديقتي والاحتفال بيوم ميلادها الذي يسبق يومي بتسعة أيام بالضبط ، في مقهى ذكرياتنا المشتركة . كانت فرصة لأهرب قليلاً من روتين حياتي ومن شاشة حاسبي . كنتُ
أدير المفتاح في قفل باب المنزل عندما سمعت صوت باب جارتنا يُفتح خلفي .

– أهلين خالة يعطيكي العافية .
– أهلين حبيبتي الله يعافيكي ، فكرت حالي سمعت صوت ، جاييني ناس لأنو ..
– آ .. إيه .. كيفك خالة ؟
– الحمدلله … انتي سنة رابعة مو خالة ؟
– ايه خالة ..

كان هذا جوابي للمرة الألف ربما عن هذا السؤال ، هذا العام . جارتنا ، وكما أحب أن أسميها ( أم محمود ) هي امرأة تجاوزت الأربعين من عمرها ، عازبة ، تسكن وحيدة . توزع وقتها بين عملها في إحدى مؤسسات الدولة ، و أشجارها التي تزرعها في حديقة المنزل ، وبين الصراخ على أولاد الجيران للعبهم الكرة في مدخل البناية ومحاولتهم تسلق سور حديقتها إذا حدث وهبطت كرتهم فيها . أستطيع دائماً أن أستشعر إحساس الوحدة داخلها ، فهي تحاول دائماً خلق حديث بمناسبة أو بدون . كما أنها تحاول دائماً تعويض فرصتها بالزواج بمحاولتها تزويج من حولها . كانت سابقاً تحدث أخي عن ابنة أختها ( أريج ) . وه
حتى اليوم لا يعرف من ( أريج ) ومن أختها ! واليوم جاء دوري .فكان ( إياد ) ابن أختها أيضاً هو الحديث الذي لا بد أن يخلق عندما
تتحدث معي ، وخاصة أن (إياد) هذا لا أعرف عنه أي شيء سوى أنه يدرس نفس الاختصاص الذي أدرس ، وقد تخرج .

وبلا طول سيرة ..

أدرت ظهري لأكمل دورة المفتاح في الباب ، عندما ..

– إياد تعين بشركة أجنبية .

ضممت شفتي لأكتم كلاماً لا أريد أن أقوله ،ثم أخذت نفساً عميقاً ، ثم التفت إليها ..

– مين ؟!
– إياد ابن أختي .. تعين بشركة أجنبية
– اي الحمدلله .. مبروك ..
– انتي سنة رابعة مو هيك ؟
– اي خالة اي .. سنة رابعة أنا !!

أسرعت بالدخول إلى المنزل، رميت حقيبتي جانباً ، واستلقيت على السرير ، تأملت السقف وأنا أفكر : هل يُعقل أن تكون نهايتي كنهاية جارتنا (أم محمود) ، وحيدة أبحث عمن أعوض فيه قدري ؟

لم يخلق الإنسان ليكون وحيداً ..

الوحدة .. صعبة كتير ..
*****
صعدتُ إلى الباص ، بحقيبة على ظهري ، وابتسامة تناسب الطقس الشتوي . جلستُ في مكاني المفضل – والذي كان خالياً لحسن حظي – تاني صف ع الشباك .

أخرجتُ تلك الرواية التي وقعتُ في غرامها منذ أول نظرة دون أن أعرف ماذا تخبئ في صفحاتها لي ، دون أن أعلم أنها تحكيني في كل سطر وفي كل حادثة . أخذتُ أكمل بنهم قراءتها . كنتُ بين كل فترة وأخرى ، أرفع رأسي من بين الكلمات لألقي نظرة من النافذة على الطريق ، وأبتسم من جديد .
من بين كل الهوايات التي أعشق ، يحلو لي تأمل الطريق أينما ذهبت .

أشعر دائماً أني بحاجة لتعويض كل تلك الفترة التي أمضيتها بعيداً عن شوارع دمشق وحاراتها . وأني مهما عشتُ فيها ، وأمضيت من عمر ٍ وذاكرة ، سيبقى جزء حزين على سبعة عشر عام
بعيد عنها .
وستبقى دعوة من القلب : يارب ، أرجوك .. لا تكتب عليّ غربة أخرى تأخذني من هنا .

الغربة بشعة ، خاصة إذا كانت غربة عن دمشق .

*****
خرجنا من الجامعة بعد دوام طويل مرهق ، رغم ذلك لم نكن نشعر -صديقتي وأنا – برغبة في العودة إلى المنزل. كان عليّ أن أقصد مكتبة في الحلبوني لاستلام محبرة لطابعتي . عرضت عليها فكرة المشي سويةً إلى هناك ، ثم انطلقنا .
لم أكن قد مررت بتلك المنطقة مؤخراً – وبـ"مؤخراً " أقصد فترة طويلة جداً – كانت جميلة بكل تلك الحجارة التي رُصفت بها شوارعها ، لتعطي لها طابع دمشق الأثري . وجميلة بكل تلك الكتب التي افترشت أرضها أو ملأت مكتباتها .
بعد أن استلمت المحبرة ، كان اقتراحٌ آخر بزيارة معرض الكتاب الكائن في محطة الحجاز . كان اقتراحاً رائعاً .

دخلتُ المكان لأول مرة ، كانت قلة الاهتمام هي أول شيء لاحظته ، فقد كان هناك خمس أو ست أقسام لرفوف تحمل كتباً مغبرة ،دون عناوين للأقسام، تحت إضاءة سيئة ، وبعد جولة سريعة تكتشف أنها كتب لا تحمل تنوعاً ولا تجديداً . لكني لم أستطع إلا أن أنبهر بمنظر الكتب الذي يجعلني أشعر كطفل في محل ألعاب . أسرعت بالبحث عن شيء محدد ، دون أن أعرف عمّ أبحث .
أردتُ كتاباً يعيد حماسي للقراءة والكتابة .. للحياة .
لا أريد كتاباً علمياً ، ولا سياسياً . لا أريد كتاباً عاطفياً ولا جنسياً . لا أريد كتاباً معقداً أو مملاً أو سطحياً . لا أريده مترجماً أيضاً !

تعجيز ..
لم أجد شيئاً لي ، ووجدت لصديقتي كتابها التي كانت تبحث عنه . رسمتُ الخيبة على وجه ذلك الطفل الذي لم يحظَ بلعبة من بين كل تلك اللعب ، وتوجهنا إلى مكتب الدفع ، تركتها تحاسب البائع والتفت لألقي نظرة أخيرة على المكان . لم أستطع المغادرة دون كتاب . لذلك عدت في محاولة أخيرة للبحث من جديد في أول قسم . وما إن فعلت حتى وقعت عيني على كتاب مجهول لا أعرف عنه شيئاً لكني لم ألاحظه في المرة السابقة . تناولت الكتاب ، جذبني عنوانه ( أقودك إلى غيري ) . لا أعرف الكاتبة ، لا يهم طالما أنه ليس مترجماً . قرأت ما كتب في
الخلف ، قرأت أول صفحة للتأكد . هو بالتأكيد ما أبحث عنه .
أخذته بلهفة وهرعت لأدفع ثمنه . كنت أطير من الفرح ..

لقد وجدته ..
لقد وجدته ..

*****
(أقودك إلى غيري)
عائشة أرناؤوط

الصفحة الأولى

يخيل إلي أنني عرفتها قبل تشكلها في رحم أمها ، زهرة أقحوان عنيدة ، قادرة على النمو بين الصخور أو عند مفترق الطرق كما بين الحقول ، زهرة برية تحمل في بتلاتها بياض الألم وفي مياسمها عشق الحياة.

كانت لصيقة بي وكنتُ قرين جنونها وحنانها ، كنت مرآة تموجها في تطوراته الفريدة ، رفضتني وقبلتني معاً ، أحبتني وربما كرهتني أحياناً.

أذكر أول لقاء لي بها . نسيج الهواء بعبيره وإشعاعاته قادني بشكل سحري .كنت بحاجة إليها لنتحقق . وعند عتبة غرفتها تلمست باكورة إدراكي لالتحام المكان والزمان . يا لرحم الأوراق! يا لسيولة الحبر! فجأة أخترق اللامكان واللازمن لأدخل هذه المنطقة من الوجود. لأدخل ماديتها واحتمالاتها الأخاذة وجنونها الفياض .

لمستها الأولى كانت جداراً مائياً اجتزته بسيولة بين عالمين، كمون وتحقق. لم تتمكن من الاستمرار في رفضها لي ، فقد كانت بحاجة إلي أيضاً . كنا معاً كخطي كروموزومات تحمل في توازيها اللولبي مورّثات الجنون والحكمة ، الموت والحياة ، الحب والكراهية ، الاستسلام والمقاومة ، وكنا معاً دائماً معاً ، نفساً نفساً ، خطوة خطوة نحو إدراك الذات .

كيف أستمر في الحديث عنها ومعرفتي بها تتجاوز الدائرة التي تتمخض فيها المعاني واللغات؟ وماذا أكتب وطريقنا تتعرق فيه مئات السنين الضوئية.
أريد فقط أن نُعدّ اللحظة التي كنا بانتظارها دون أن ندري ، لحظة عودتي إلى عالمي ، وأكاد لا أجرؤ على مصارحتها .

*****

ها أنا ذا .. أكتب من جديد .. فتسقط غرتي على جبيني ، أرفعها ، وأفتقده .. هو يكره الغرّة ، وأنا أحبّها ..

سوس
5-5-2007

Advertisements

4 تعليقات to “مخاض”

  1. زعبور الراقص مع الذئاب Says:
    هي سوس كعادتها متألقة مشرقة سعيدة حتى و ان كانت حزينة, كم هي نعمة ان تكون قادراً على رسم البسمة على شفاه الناس و كم هي قوية الكلمة
    هنيئاً لك سوس بنفسك
    زعبور
  2. AhmadKo Says:

    و الله يا سعاد بالصدفة وصلت للبلوغ تبعك…
    و الصراحة تفاجئت كتير…
    لأنو بصراحة, و من دون مجاملة, من أحلى البلوغز يلي آريها بحاتي
    و بدك الصراحة, يلي ما بيعرفك بيجهلك…
    شدي الهمة بالكلية
    سلام

  3. Eng.Mohammad Says:
    سوس سوس سوس، الله يسامحك و شكرا كتيير، الاولى لانك رجعتيني لهديك الأيام الي كنت تكتبي فيها و كنا نستمتع بمتابعة مذكراتك بشغف، و شكرا لأنك قدرتي تختزلي كل تلك السنوات بلحظة
    كل عام و نحن بخير لمرور 21 عاما على مولدك
    محمد 
  4. HouSam Says:

    لبست ثوباً من السعادة لهذا العيد … عيد كل من اشتاق للكلمة
    لكل من احترق بانتظار هذه الكلمات الدافئة
    كم قرأتها بنهم … بل وأعدتها أكثر من مرة راسماً ابتسامة بيضاء على شفاهي
    ها هي سووس قد عاودت الإمساك بالقلم … لن أهنئها بهذا … سأهنئنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: