على حافة أمل


في تلك المدينة البلاستيكية – كما أحب أن أسميها – ، لم يكن هناك مكان يمكن أن نفترق فيه سوى مقهى ستاربكس الشهير الذي يوجد في كل شارع تقريباً فرع منه .

لم أكن في لهفة للقاء أي من أصدقائي الذين تركتهم خلفي في هذه المدينة بعد أن أنهيت دراستي فيها ، وعدت بعد فترة غياب لأنهي بعض الأمور . تهربت منهم جميعاً .. أنا دائماً في الحمام عندما يتصلون .. سأعاود الاتصال بكم ، ولا أعاود .. أخلق الأعذار لأهرب . لا أريد أن ألقاهم بمزاج عكر وأخبار سيئة . إلا صديقتي تلك ، أصرّ على لقائها ، أعلم أنها وحدها ستتمكن من تغيير مزاجي ، وربما سأتمكن من التقاط عدوى التفاؤل منها .

وصلت قبلها ، أتأمل الذكريات التي تبعثرت في ذلك المقهى وحملَت أياماً جميلة ، ولحظة وداع .. وداعي أنا . اخترت طاولة لم أرد أن تتسع لأكثر من ظلين . ألقيت نظرة على الساعة في معصم يدي ، لقد مضى عشر دقائق على الموعد . اتصلت بها .. " أنا آسفة جداً حدث أمر طارئ وسأضطر لأتأخر قليلاً " .. لا بأس .. الجلوس في المقهى وتأمل الحياة إحدى هواياتي المفضلة . أتجه إلى مكان الطلب ، أنظر إلى القائمة الكبيرة المعلقة على الحائط .. فرابتشينو ، اسبريسو ، موكا ، بلاك كوفي ، وتطول القائمة بين بارد و ساخن ومثلج .. حتى اليوم ، لا أستطيع أن أجد فرقاً يذكر بين كل تلك الأصناف . اخترت عشوائياً شيئاً من تلك القائمة ، لم أعد أذكر اسمه الآن ، كل ما أذكره أني لم أحبب طعمه !

مضت نصف ساعة ، لا أرى وجه صديقتي ، ولا أسمع صوتها في هاتفي . أتصل بها لأجد مزيداً من التأخير الخارج عن إرادتها .. لا بأس مرة أخرى .. إنها صديقة ، والصديق معذور دائماً . العدو جيد في هذه الحالة .. لست مجبراً على خلق الأعذار لعدوك ..

لا أطيق أن أنتظر . مشكلتي منذ وعيت على الحياة أني دائماً بانتظار شيء ما .. بانتظار هاتف ، وجه ، رسالة ، لقاء ، حب ، خبر ، طائرة .. الانتظار مضر بالصحة ، وانتظار جديد سيزيد صحتي سوءاً .

المشروب الثلجي الذي طلبته يوشك أن يلامس قعر كوبي البلاستيكي ، ولم تأتي ..

كل من يمر بجانب طاولتي صار يطلب الكرسي الثاني الذي احتلته حقيبتي بدلاً من صديقتي لازدحام المقهى ، فأجيب : لا .. ستأتي ..

وأتت ، بعد ساعة من الموعد المحدد . أخفيت عتابي وأظهرَت اعتذارها بعد عناق قصير .

ما الذي يمكن أن تجيب به عندما يسألك أحدهم بعد طول غياب : " كيفك ؟ "سوى :" بخير .. الحمدلله ؟"

هل يتوقع منك أن تخبره أنك لست بخير ، وأمورك من سيء إلى أسوأ ، ويبدأ بسرد المصائب التي حلت به منذ آخر لقاء معك ؟

من اخترع الجواب المسبق :" بخير .. الحمدلله "، للسؤال العابر :" كيفك " ، وألزم به الجميع في أي مكان في العالم ؟

لست مجبراً أن تخبئ مصائبك لكن عليك أولاً أن تجيب على السؤال بأنك بخير ثم بعدها لو قلت أنك في قلب الجحيم فذلك لا يجعلك كاذباً أبداً !

لم أستطع منع نفسي من تذكر عبارة لزياد رحباني يقول فيها : " كلما بتسألني كيفك .. بتزكر إني مش منيح ! "

بدأنا بسرد أخبارنا تباعاً . كنا دون أن نشعر ، نتنافس بأي أخبارنا أكثر سوءاً . مسابقة اشتركنا بها مرغمتين ، تسرد لي خبراً ، فأرد عليها بخبر من عندي أسوأ منه ، فتقفز لي بآخر أسوأ وهكذا . حتى غلبتني ، واكتشفت أن أخبارها أسوأ بكثير ، و مازالت ترتدي ابتسامة !

بدأت أنا بسرد تفاصيل حادث السير الذي تعرضت له ونجوت بأعجوبة ، فردت بحادث أبلغ منه . تحدثت عن تأثير ابتعاد والدتي عني ، فردت بتعرض والدتها لمرض خبيث في رحمها أدى لاستئصاله . غيرت الموضوع لأتحدث عن مشاكل صداقاتي التي انحصرت كلها في إطار المصلحة الشخصية واختفاء الأصدقاء الحقيقين ، فأخبرتني أنها لا تملك سوى أعداء فقط .

لم أستطع أن أكمل . كان أكثر مايميز صديقتي تلك أنها تستطيع أن تجعل من المصيبة شيئاً ساخراً ، يجعلك تحتار في موقفك : أتضحك على تشابيهها الساخرة ، أم تصمت وتظهر تأثرك بمصيبتها !

تحدثنا عن مشكلة غربتنا المشتركة ، و الشعور بعدم الاستقرار . وكيف أن المغترب يضيع بين وطنه وغربته ليجد نفسه في النهاية يقف على الحدود بين البلدين ، حائراً بين البلاد التي أنجبته وبين البلاد التي ربته . كنا غريبتين في تلك البلاد .. أخبرتني أنها أصبحت في النهاية تألف الغربة وتعجز عن العودة إلى بلادها . انتماؤها صار للغربة . سألتني : " وأنتِ إلى أين تشعرين بالانتماء اليوم ، إلى الوطن أم إلى الغربة ؟ ". أجبتها : " أنا لم أشعر بالانتماء بعد .. الانتماء يكون إلى شخص ، لا إلى مكان "

كان كل مانلقيه من أخبار على الطاولة الصغيرة بيننا سيئاً ، إلا أننا كنا نضحك بعفوية . كان مشهداً غريباً لمن يريد التخيل ، كأنك تشاهد مهرجاً يبكي في سيرك ، أو أحدهم ينفجر ضاحكاً في عزاء .

كانت صديقتي تلك أقل ديناً وأكثر إيماناً .. اكتشفت ذلك لأول مرة من جملتها التي ألقتها أمامي على الطاولة : " طبيعة تكوين الجسم البشري تجعله قادراً على نسيان الألم ، جربي أن تتأملي جرحاً كان بليغاً ذات يوم في يدك مثلاً ، وحاولي أن تتذكري الألم الذي سببه لك ذلك الجرح .. ستفشلين حتماً في ذلك . إحساس الألم يكون لحظة ولادته فقط ، وبعدها يُنسى تماماً . و الأيام السيئة كالجرح ، عندما تأتي الأيام الجميلة ستمحو الأثر السيء الذي تركته تلك الأيام . وبقدر ماكانت أيامك سيئة ، ستحصلين على أيام جميلة .. تأكدي من ذلك "

ظللت أحدق بوجهها للحظات ، أحاول استيعاب تلك البلاغة التي عقدت لساني . كانت تلك العبارات هي تحديداً ما أردت سماعها منها . بذرة أمل رمتها بداخلي وتركتني أعتني بها لتكبر مع الأيام .. وليكبر الأمل في أعماقنا .

Advertisements

رد واحد to “على حافة أمل”

  1. Mosab Says:

    SooS… you, as we all, driven by the God’s wish, the hope would not be enough to change or destiny…
    i hope that you will have enough power to find a way to change your destiny and realize your dreams … as you wish…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: