لا أعلم كيف أبدأ رسالتي لك ، فهذه أول مرة أكتب فيها إلى مسؤول ، كما أني لم أكتب إلى شهيد من قبل ، فكيف لا تتلعثم كلماتي أمامك وأنت مسؤول شهيد ؟
لكني أدرك أني لن أستطيع لا اليوم ولا الغد أن أقترب من ضريحك وأقول ما أريد قوله ، بعد أن أضع وردة أو أضيء شمعة كما فعل الجميع وقت استشهادك ، لذلك سأكتفي بقراءة الفاتحة لك من هنا ، من دمشق . وأكتب لك هذه الرسالة التي لن تصل .
لا بد أنك تشعر بالملل الآن ، فضريحك لم يعد يعج بالمعزيين كما كان ، وباقات الورد حولك يتناقص عددها بعد أن كانت تغطي المكان . كما أنك توشك أن تصبح ذكرى ، ككل شهيد نقلب الدنيا لأجله لحظة انضمامه لقائمة الاغتيالات ، ثم يمل القدر من هتافاتنا و شعاراتنا فيرسل لنا شهيداً آخر نقيم له ضجيجاً جديداً وجنازة جديدة لننسى ، وتطول القائمة ، ولا ننسى .
لا تحزن .. أنا لم أنسك بعد . وكلما أسمع خبر اغتيال جديد لأحد من رفاقك أتذكرك أكثر، وأتساءل بيني وبين نفسي : لماذا أذكرك أنت دون غيرك ؟ لماذا يمر خبر استشهادك في مخيلتي كأنه البارحة ، لماذا أنت لا جورج حاوي لا سمير قصير ؟ رغم أني – كالكثيرين غيري – لم أعرفك إلا بعد استشهادك . عندما تناقلت جثمانك الأخبار ، وكتبت عنك الجرائد . فكما تعلم ، لا شيء كالموت يسلط الضوء على الناس ويخبرنا بعد الأوان أنهم كانوا يوماً هنا .
هل لأنك أكثر أهمية ممن اغتيل بعدك ؟ لا ، لا أعتقد ذلك فأنت في تتابع الاغتيالات لا تختلف عنهم في شيء . يميزك فقط أنك كنت الأول بينهم ، الشهيد رقم واحد في قائمة الموت الذي نصبك منصب الأول بكل جدارة وحملك مسؤولية مهمة : فتح بوابة الجحيم على لبنان ليستطيع الموت بدوره أن يتم مهمته . ودون أن تدرك ، قبلت بالمهمة ، ففاحت رائحة الموت بعدك في كل مكان . وصرت تبدو لي كأنك متواطؤ مع كل انفجار يحدث ، وسيحدث .
أيها الحريري ..
أتدرك ماذا فعل رحيلك بلبنان ؟
لقد انتشرت عدوى الانفجار في الأرجاء ، وأصبح كل شيء قابل للانفجار في غمضة عين . كل شيء يحمل بجانبه رقماً قد يصل إلى الصفر في عد تنازلي في أي لحظة وينفجر ، حتى المربع الأزرق في أعلى شاشة المستقبل ، يبدو كقنبلة موقوتة صغيرة الفرق الوحيد هو أن الرقم بجانبه يشير إلى عد تصاعدي لا تنازلي ، عدٌ لا ينتهي . توقع في أي لحظة أن ينفجر ذلك الشعار مطيحاً بالشريط الأسود الذي يلفه ، أن ينفجر التلفاز وتصيب شظاياه المحطات المجاورة .
الناس في حالة خوف هناك . الانفجار شيء لا يمكنك أن تعتاده مهما سمعت صوته المرعب ، ومهما شممت رائحته النتنة ، ومهما شاهدت الأشلاء والشظايا التي يتركها خلفه بلا اكتراث . لا يمكنك أن تشرب قهوتك الصباحية بمزاج صاف ٍ وتتابع تفاصيل يومك العادية بكل هدوء وأنت تعلم أنه في مكان ما من مدينتك يسكن انفجار جديد .
هل كنت تعلم بكل هذا ؟
ولبنان .. تلك الأم الثكلى التي مابرحت تفقد الابن وراء الآخر .. أما خطر ببالك ولو للحظة أنها لن تخلع الأسود بعدك ؟
لقد أعلنَت حالة الحداد الدائم ، وفتحت أبوابها للمعزيين . الكراسي في كل مكان بانتظارهم ، ففي أي لحظة قد يحدث انفجار ، و ترفع جثة ، و يضاف شهيد .
وليست لبنان وحدها التي لحقها الضرر برحيلك .. ألم تدرك أن سوريا ستصبح مشجباً لتعليق كل تلك الجرائم ؟
وأنه في ساحة كل انفجار سيكون هناك دليل حاضر حتى قبل أن تقع الجريمة أن سوريا هي وراء مايحدث ؟